آبرز الممرات والمضايق البحرية والتجارية
الصراع القديم الحديث على التجارة والطاقة والنفوذ :
مقدمة : تحدثت فى المقال السابق عن مضيق ملقا ( رابط المقال السابق ) وفى هذه المقالة ساتحدث عن مضيق البسفور والدردنيل من ضمن سلسلة مقالات عن آبرز الممرات والمضايق البحرية والتجارية .
الصراع حول “االبوسفور والدردنيل ” كان صفحة طواها التاريخ منذ عقود بعيدة ولكن الحرب الروسية الاوكرانية ، أعادت فتح تلك الصفحة الخطرة مجددا. مما يمثل تهديدا للأمن والسلم على المستويين الإقليمى والدولي.

مضيق البسفور والدردنيل
هما ممران مائيان استراتيجيان في تركيا يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط ويشكل المضيقان معاً الحدود الجغرافية الفاصلة بين قارتي آسيا وأوروبا, ولتركيا السيادة الكاملة للتحكم في مرور السفن التجارية والحربية بين البحر الأسود والمحيطات المفتوحة.
مضيق البوسفور يربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويشق مدينة إسطنبول إلى شطرين آسيوي و أوروبي .
مضيق الدردنيل يربط بين بحر مرمرة وبحر إيجه، الذي يتصل بدوره بالبحر المتوسط ويعتبر استمراراً للممر المائي القادم من البحر الأسود، وشهد معارك تاريخية كبرى مثل حملة “غاليبولي” في الحرب العالمية الأولى.
أهميتهما الجيوسياسية :
المنفذ الروسي الوحيد
يمثل المضيقان رئة روسيا الاستراتيجية؛ فهما المنفذ الوحيد لأسطول البحر الأسود الروسي للوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط ومنه إلى المحيطات العالمية .
ورقة الضغط التركية
تركيا تتحكم بالممرين مما يجعلها لاعباً رئيسياً في إدارة التوازنات العسكرية بين روسيا ودول حلف ليس هذا فحسب بل وفى امدد التفط والغاز الطبيعي من روسيا ودول آسيا الوسطى إلى الأسواق الأوروبية والعالمية وظهرت هذة الورقة فى الصراع الروسي الاوكرانى .مما يجعل الوجود العسكرى والتجارى الروسى مرهون بالسياسة التركية .
توظيف البحر الأسود فى الحرب الروسية الاوكرانية
روسيا خلال الحرب أعلنت أن السفن التجارية المتجهة إلى موانئ أوكرانيا على البحر الأسود أهدافًا عسكرية مشروعة، وكذلك أوكرانيا بالنسبة للسفن التجارية المتجهة إلى موانئ روسيا على البحر الأسود.

تأثير الحرب الروسية الاوكرانية من المنظور الجيوسياسى للمضيق .
اولا – تأثر اقتصادات الشحن الجديدة في البحر الأسود.
ثبّت دور رومانيا وبلوغاريا كلاعبين رئيسيين في أمن الطاقة والغذاء الأوروبي .


تأثرت الموانئ الرومانية (خاصة ميناء كونستانتسا) والبلغارية (مثل مينائي فارنا وبورغاس) بشكل جذري باقتصادات الشحن الجديدة، حيث تحولت من موانئ إقليمية بديلة ومزدحمة بضغوط الأزمة إلى مراكز لوجستية كبرى ومطورة بفضل استثمارات ضخمة طويلة الأجل. ويمكن تلخيص ان الطفرة الاستثمارية شملت توسعة البنية التحتية . وتوسيع القدرات الاستيعابية لميناء كونستانتسا الروماني (أكبر ميناء حبوب في البحر الأسود حالياً) بتدفقات تمويلية ضخمة من الاتحاد الأوروبي لتوسيع صوامع التخزين وتحديث أرصفة الشحن. وتطوير النقل النهري والبري حيث جرى تحديث خطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق النهرية عبر نهر الدانوب لربط الموانئ الرومانية والبلغارية بقلب أوروبا وأوكرانيا بشكل أسرع. كما تراجعت عمليات التراكى والانتظار بالميناء وانتقال من الطوارئ إلى الاستقرار.
بدأت بلغاريا بالتحول من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل توريد ذات قيمة مضافة أعلى، مثل معالجة الزيوت النباتية وتصديرها مباشرة عبر موانئها.
استفاد مزارعو رومانيا وبلغاريا من انتظام حركة الموانئ لتصدير محاصيلهم السيادية بأسعار تنافسية ودون منافسة خانقة على مساحات التخزين من الحبوب الأوكرانية.

نجحت أوكرانيا في إعادة تشغيل موانئها الرئيسية (مثل أوديسا) بفضل تراجع الأسطول الروسي، انخفض حجم ترانزيت الحبوب الأوكرانية العابرة عبر كونستانتسا بنسبة تجاوزت 50%. هذا التراجع منح الموانئ الرومانية والبلغارية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم عملياتها التجارية العادية بسلاسة.
على الرغم من استعادة أوكرانيا لممراتها الخاصة، أصبحت الموانئ الرومانية والبلغارية تمثل خطة أمنية بديلة جاهزة ومجربة للأسواق العالمية في حال تجدد المخاطر العسكرية،
ثانيا – التأثر الروسى من اتفاقية مونترو (1936).

أحدثت ورقة الضغط التركية المتمثلة في تطبيق اتفاقية مونترو (1936) وإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية شللاً استراتيجياً لروسيا. وتأثرت موسكو عسكرياً ولوجستياً من هذا القرار عبر عدة مستويات رئيسية:
1. مُنعت روسيا تماماً من نقل أي قطع بحرية ضخمة (كالفرقاطات والمدمرات) من أساطيلها الأخرى في بحر البلطيق أو المحيط الهادئ إلى البحر الأسود لتعويض السفن التي دمرتها أوكرانيا (مثل الطراد “موسكفا”). حيث تسمح الاتفاقية فقط للسفن الحربية المسجلة أصلاً في البحر الأسود بالعودة إلى قواعدها. هذا الاستثناء يسير في اتجاه واحد؛ فالسفينة التي تخرج لا يمكنها العودة، والتي تعود لا يمكنها المغادرة مجدداً للقتال بالخارج.
2. ضرب خطوط الإمداد العسكري في سوريا وأفريقيا ( قطع “شريان طرطوس وسوريا”) يمثل المضيقان الممر الأساسي لـ “سير النقل الروسي” (Syrian Express) المسؤول عن نقل المعدات والذخائر والوقود من البحر الأسود إلى القواعد الروسية في سوريا (قاعدة حميميم وميناء طرطوس). وأدى الإغلاق (إلى جانب حظر تركيا للطيران العسكري الروسي في أجوائها) إلى إجبار روسيا على استخدام طرق بحرية وجوية أطول وأكثر كلفة بكثير (عبر الالتفاف حول أوروبا أو استخدام ممرات إيرانية وبحر القزوين) لإمداد قواتها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
3. شلل النفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط حيث حُرمت روسيا من إمكانية المناورة بقطعها البحرية بين البحرين الأسود والمتوسط. هذا الأمر أضعف قدرتها على حشد قوة بحرية هجومية في شرق المتوسط لمواجهة مجموعة السفن الحربية التابعة لحلف الناتو أو تهديد الجناح الجنوبي لأوروبا.
4. أجبر القرار التركي روسيا على القبول بالوضع الراهن؛ حيث لم تتمكن موسكو من الاعتراض قانونياً لأنها موقعة على الاتفاقية. ونظراً لأن الاتفاقية تحمي السفن التجارية في وقت السلم، لم تتمكن روسيا من محاصرة الموانئ التركية أو منع عبور سفن التجارة العالمية، مما سحب منها القدرة على استخدام المضائق كورقة مقايضة اقتصادية ضد الغرب.
5- لم يكن امام روسيا مسارات ووسائل بديلة للحفاظ على تدفق الدعم العسكري واللوجستي لقواتها وقواعدها في سوريا حيث تبحر السفن الحربية الكبيرة وسفن الإمداد التابعة للأسطول الروسي من موانئ بحر البلطيق (مثل سانت بطرسبرغ) أو موانئ القطب الشمالي (مثل مورمانسك).ثم تلتف هذه السفن حول القارة الأوروبية بأكملها، مروراً ببحر الشمال، والمحيط الأطلسي، ثم تدخل البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق لتصل أخيراً إلى السواحل السورية .
6. استغلال القانون الدولي حيث تمنع اتفاقية مونترو السفن الحربية فقط من عبور البوسفور، بينما تكفل حرية المرور للسفن التجارية. فقامت روسيا بالتهريب المقنّع باستخدام سفن شحن مدنية، وعبّارات تجارية (Ro-Ro)، وناقلات بضائع مملوكة لشركات حكومية أو خاصة تدور في فلك الكرملين. وتقوم هذه السفن بتحميل المعدات العسكرية، والذخائر، والقطع الفنية داخل حاويات مغلقة في موانئ البحر الأسود (مثل نوفوروسيسك)، وتمر عبر البوسفور التركي بشكل قانوني تماماً تحت غطاء تجاري مدني لتفريغ حمولتها في طرطوس.
3. قبل الحرب الايرانية الامريكية اعتمدت روسيا تماما على الجسر الجوي “الروسي – الإيراني” بعد أن أغلقت تركيا ودول الناتو أجوائها أمام الطائرات العسكرية الروسية، فكان البديل هو الممر الجوي الذى يمر فوق بحر قزوين، ثم الأجواء الإيرانية، وصولاً إلى الأجواء العراقية ثم الهبوط في قاعدة حميميم باللاذقية. وكان يستخدم يُستخدم هذا الجسر الجوي لنقل الأفراد، والضباط، والمعدات الإلكترونية الحساسة، والأسلحة الخفيفة، والوقود الخاص بالطائرات، وهو مسار آمن عسكرياً لكن قدرته الاستيعابية محدودة مقارنة بالشحن البحري. ونفس الشئ اعتمادت على خطوط التوريد الإيرانية والمحلية لتأمين بعض المواد الأساسية والوقود والمواد الغذائية لقواتها من الأسواق الإقليمية المجاورة (عبر الممرات البرية والبحرية الإيرانية إلى سوريا)، مما يقلل من حاجة موسكو لشحن كل شيء من الأراضي الروسية.
ثالثا – شبه جزيرة القرم والمضائق في البحر الأسود.
1- وسّعت روسيا حدودها في البحر الأسود، فاستولت على ميناء آزوف، وحصوني كيرتش وينيكالي في الطرف الشرقي من شبه جزيرة القرم، وجزء من مقاطعة كوبان، ومصب نهري دنيبر وبوغ، بما في ذلك حصن كينبورن .
2- تراجع الوجود العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم بشكل ملحوظ، خاصة فيما يتعلق بالقدرات البحرية والجوية . وعلى الرغم من تراجع الوجود العملياتي المباشر للقطع البحرية والجوية، إلا أن روسيا ما زالت تسيطر وتتمسك بالقرم سياسياً وإدارياً، وتحاول الدفاع عن خطوطها الأمامية ومواقعها المتبقية هناك.
3- أدى تراجع النفوذ البحري الروسي في شبه جزيرة القرم إلى تأمين ممرات التجارة واستعادة أوكرانيا لقدرتها على تصدير الحبوب بشكل شبه طبيعي عبر البحر الأسود.
4- نجحت أوكرانيا في إنشاء “ممر بحري مستقل” يمر بمحاذاة السواحل الغربية للبحر الأسود (عبر المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا وتركيا). وبسبب انسحاب الأسطول الروسي، لم تعد روسيا قادرة على فرض حصار بحري فعال على هذا الممر.
5- كما أسفرت الوقائع الميدانية الجديدة وضغوط الملاحة عن التوجه نحو تفاهمات واتفاقيات تهدئة في البحر الأسود، مما أتاح استقرار شحنات الحبوب واقترابها من مستويات ما قبل الحرب.
6- تراجع خطر تعرض سفن الشحن التجاري للاستهداف المباشر من القطع البحرية الروسية، مما أدى إلى انخفاض تدريجي في كلفة التأمين البحري المخيف الذي كان يُفرض على السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية (مثل ميناء أوديسا).
7- حافظت روسيا على تدفقات الحبوب وصدارتها العالمية كمصدر أول للقمح، حيث تخرج شحناتها بأمان من موانئها الشرقية مثل “نوفوروسيسك” بعيداً عن القرم وتهديدات المسيرات البحرية.
الآستراتيجية التركية مع الحلفاء :

تولى تركيا ودول الناتو المطلة على البحر الأسود (رومانيا وبلغاريا) الدور الأكبر في حماية الممر الملاحي وتأمين حركة السفن التجارية، مستغلةً تراجع النفوذ الروسي وتم انشاء قوة مهام لمكافحة الألغام في البحر الأسود. وتؤكد هذه القوة، التي تم تفعيلها عام 2024، التزام تركيا بضمان سلامة الملاحة في البحر الأسود في ظل تزايد المخاطر الأمنية الناجمة عن الصراع الأوكراني .توفر دول الناتو، عبر قواعدها في رومانيا وبلغاريا، غطاءً استخباراتياً مستمراً باستخدام طائرات المراقبة بدون طيار وطائرات الإنذار المبكر (AWACS).
تساهم تركيا عبر نشر طائراتها المقاتلة (مثل دوريات F-16 في الأجواء الرومانية) في تعزيز “الدرع الجوي” فوق السواحل الغربية للبحر الأسود لردع أي ضربات صاروخية أو مسيرات قد تستهدف الشحن التجاري.
الا أن مكانة تركيا كلاعب أمني رئيسي في البحر الأسود تزداد تعقيداً بسبب علاقتها بروسيا. فرغم أن تركيا امتنعت عن اتباع الغرب بشكل كامل في فرض عقوبات على روسيا، وتتعاون معها في قطاعات عديدة، منها الطاقة، إلا أن علاقاتهما توترت نتيجة التنافس على النفوذ في البحر الأسود وجنوب القوقاز.
تلعب تركيا دور “الضامن والميسّر الدبلوماسي”؛ فبينما تدعم أوكرانيا عسكرياً (بالسلاح والمسيرات) وتؤمن ممراتها، تحتفظ بأنقرة بقنوات اتصال مفتوحة مع موسكو.
السيناريوهات المحتملة تبعاً لكيفية تطور الصراعات الإقليمية:
1- الانحياز الموالي للغرب : في هذا السيناريو، تنحاز تركيا بشكل وثيق إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وتعارض بشكل حاسم النفوذ الروسي في البحرالأسود، وتعزز علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الحلفاء الغربيين .
2- الميل المؤيد لروسيا : إذا حققت روسيا الهيمنة في المنطقة، فقد تعمق تركيا علاقاتها مع موسكو، ربما على حساب وجود الناتو في البحر الأسود.
3- القيادة الإقليمية والتنويع الاستراتيجي : تؤكد تركيا على مكانتها كقائدة إقليمية من خلال تقليل اعتمادها على كل من حلف شمال الأطلسي وروسيا، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع دول البحر الأسود وآسيا الوسطى.
4- الحياد المتوازن : تسعى تركيا جاهدة للحفاظ على موقف محايد، وموازنة العلاقات بين حلف الناتو والقوى الإقليمية، وتجنب الانخراط العميق في الصراعات الجارية، والتركيز على الوساطة في النزاعات.
الخلاصة :
استهدفت روسيا واوكرانيا الموانئ والبنية التحتية للطاقة. والدولتين تدركان أن البحر الأسود يمثل أهمية بالنسبة لهما، حيث يمثل طريقًا رئيسيًا لشحن الحبوب من المناطق الجنوبية، حيث مر نحو 86% من الحبوب عبر موانئ حوض “آزوف”، وتعد أوكرانيا من أكبر مصدري الحبوب لشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا، ومن ثم يمثل البحر الأسود أهمية اقتصادية بالنسبة لها، ومثل استمرار التوتر في البحر الأسود، تأثيرًا على سلاسل الإمداد الغذائي العالمي، كونه مصدرًا لنقل الحبوب والمنتجات الزراعية، وهو ما أضر بالدول الواقعة على طول ساحل البحر الأسود.
لطالما تأثر الموقع الجيوسياسي لتركيا في منطقة البحر الأسود بالأهمية الاستراتيجية لمضيقي البوسفور والدردنيل، وعلاقاتها التاريخية بشبه جزيرة القرم، ودورها كلاعب رئيسي في الأمن الإقليمي وديناميات الطاقة. وعلى مدار تاريخها الحديث، كان على تركيا أن توازن علاقاتها مع جهات فاعلة قوية مثل روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع السعي في الوقت نفسه لتحقيق مصالحها الخاصة.
تسعى تركيا إلى الاستفادة من المشهد الجيوسياسي المتغير، لا سيما في أعقاب الحرب في أوكرانيا، ستحتاج إلى الحفاظ على مكانتها كلاعب رئيسي في قطاع الطاقة وكفاعل أمني في منطقة البحر الأسود. ويُعدّ السعي إلى لعب دور محوري في الممر الأوسط وتنمية علاقاتها مع الصين أحد السبل التي يمكن لأنقرة من خلالها الاستفادة من موقعها الجغرافي في تعزيز موقفها الدبلوماسي. .
لا يوجد في الوقت الراهن تهديد مباشر لمضيق البسفور والدردنيل فلم تعد الاطراف تستهدف بالضرورة اغلاق الممرات بشكل كامل بل تلجا الى رفع تكلفة العبور مما يحول الاقتصاد الى حسابات امنية .
قراءة المزيد: مضيق البسفور والدردنيلالتاريخ الدامي :
يتسم تاريخ البوسفور والدردنيل بالدموية فى ظل الصراع الروسى التركى للسيطرة على المخرج الوحيد للبحر الأسود. فقد أتيحت لتركيا السيطرة على جانبى هذا المجرى المائى الحيوى عقب فتح القسطنطينية (اسطنبول حاليا) سنة 1453م. وانتهى إغلاق المضيقين بإعلان اتفاق كوتشك كينارجى عام 1774 بعد نجاح روسيا فى السيطرة على الساحل الشمالى للبحر الأسود لتكسر الاحتكار التركى العثمانى لهذا البحر.وعندما قام تحالف عسكرى قصير الأمد بين روسيا وتركيا فى عام 1798م، تم السماح للسفن الحربية الروسية بالمرور فى مضيق البسفور. ولكن سرعان ما انتهى التحالف بإشعال الحرب بين تركيا وروسيا. وبدأت الدول الغربية خاصة إنجلترا منذ ذلك التحالف تخشى من السماح للسفن الحربية الروسية بحرية المرور فى المضايق إلى البحر المتوسط. وتم عقد اتفاق دولى سنة 1841 قضى بفتح المضايق أمام الملاحة التجارية.
وكانت المضايق من أسباب دخول روسيا الحرب العالمية الأولى عام 1914. فعندما أسرعت روسيا بحشد قواتها على طول حدود النمسا وألمانيا، لمنع تقدمهما نحو تركيا وإغلاق المضايق أمامها أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا وحليفتها فرنسا فدخلت إنجلترا الحرب إلى جانب روسيا وفرنسا. وكانت إنجلترا قد اتفقت سراً مع فرنسا وروسيا خلال الحرب على أن يسيطر الروس على المضايق التركية. ولكن انسحبت روسيا من الحرب لقيام الثورة الشيوعية فى أكتوبر سنة 1917.
وعند نهاية الحرب قلص المنتصرون هيمنة تركيا المهزومة على المضايق وقضت معاهدة سيفر بضرورة نزع سلاح المضايق وبحر مرمرة والجزر الواقعة فى مدخلهما من جهة الجنوب.
وعندما ظهرت إيطاليا(موسوليني) سنة 1935 كقوة بحرية ، رأت إنجلترا أن مصلحتها تتفق مع كل من تركيا وروسيا فى تعديل معاهدة لوزان، وتم توقيع اتفاقية مونترو سنة 1936 لتنظيم الملاحة فى المضايق التركية. ومازالت هذه الاتفاقية سارية المفعول حتى الوقت الحاضر. وتعطى هذه الاتفاقية لتركيا الحقوق الكاملة لممارسة سيادتها على المضايق، وإدارتها وإعادة تحصينها وتقييد مرور السفن الحربية، إذا كان مرورها يهدد أمن الدولة التركية.
وفى أثناء الحرب الباردة تم ضم تركيا لحلف “ناتو” للأهمية الإستراتيجية لمضايقها فى مواجهة روسيا (الإتحاد السوفيتى سابقا).
وقد حاول الروس تعديل معاهدة مونترو بتدويل المضايق التركية إلا أن الكتلة الغربية وتركيا رفضت هذا المطلب.وهكذا دفع التوتر الروسى التركى بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تعقيدا وخطورة على السلم والأمن الدوليين.
تتمتع شبه جزيرة القرم بتاريخ طويل ومعقد مع الإمبراطورية العثمانية، إذ تضم العديد من المواقع الثقافية والتاريخية التركية. وفي الوقت نفسه، ووفقًا لأحدث تعداد سكاني، ينحدر أكثر من 5 ملايين مواطن تركي من أصول تتارية قرمية. كما لعبت القرم دورًا هامًا في تشكيل الإمبراطورية الروسية وتطورها. تأسست خانية القرم عام 1443، واتخذت من باختشيساراي مقرًا لها، وقد توغلت بين الحين والآخر في موسكو الناشئة، ولكن مع تفكك دولتها الأم – القبيلة الذهبية – في القرن الخامس عشر، لم تعد تشكل تهديدًا لروسيا. وبدلًا من ذلك، أصبحت تابعة للدولة العثمانية عام 1475. ثم خضعت القرم للحكم التركي حتى توقيع معاهدة كوتشوك كاينارجا عام 1774 في نهاية الحرب الروسية التركية (1768-1774)، والتي أنهت السيادة العثمانية على البحر الأسود. في ذلك الوقت، منحت كاترين العظيمة القرم وضع الحماية الروسية.
أنهت معاهدة كوتشوك كاينارجا فعليًا سيطرة تركيا على البحر الأسود لثلاثة قرون. مع ذلك، استمر العمل بـ”القاعدة القديمة” المتمثلة في إغلاق المضائق أمام جميع السفن حتى معاهدة لوزان عام 1923، أي بعد عام من تأسيس الاتحاد السوفيتي. واستمرت تركيا في إدارة المضائق، رغم فقدانها السيطرة الفعلية على الساحل الشمالي للبحر الأسود. ولم تتح لها فرصة استعادة نفوذها على شبه جزيرة القرم والساحل الشمالي للبحر الأسود إلا بعد عام 1918، حين أسفرت معاهدة بريست ليتوفسك بين روسيا السوفيتية ودول المحور عن هجوم أجبر الجيش الأحمر الروسي على التراجع من أوكرانيا. في ذلك الوقت، كانت القرم قد خرجت عن السيطرة الروسية بسبب حالة عدم الاستقرار الواسعة النطاق التي نجمت عن الثورة البلشفية في الإمبراطورية الروسية، التي كانت أوكرانيا إحدى مقاطعاتها، والتي كانت بدورها تسعى للاستقلال. ونتيجة لذلك، وخلال المعارك العنيفة في أوكرانيا بين عامي 1918 و1920، دعمت تركيا المسعى الأوكراني للاستقلال، وذلك في المقام الأول على أمل أن يؤدي التنافس بين الفصائل السلافية المختلفة إلى ضعف أو انعدام السيطرة الروسية أو الأوكرانية على شبه جزيرة القرم، بحيث تعود في النهاية إلى النفوذ التركي.





